شريف حسن

“لأنَّ أَحداً لا يأتي في موعده، ولأنَّ الانتظار يُشبه الجلوس على صفيح ساخن، أَعاد عقارب ساعته اليدوية عشرين دقيقة إلى الوراء! هكذا خفَّف عن نفسه عذاب الانتظار“

عبر محمود درويش عن الانتظار في ديوانه الأخير “أثر الفراشة” 2008، وبالتحديد في قصيدة “وقت مغشوش”، بأنه يشبه الجلوس على صفيح ساخن، وأن الانتظار عذاب مع النفس، إن الانتظار في شعر محمود درويش يحمل أهمية كبيرة، وهاجسًا أكبر، فالانتظار مرتبط بالوحش الأبدي الزمن، ومحاولة التفاوض معه هي من أهم ملامح شعر درويش، لأنك إذا هزمت الزمن، تستطيع بكل سهولة الوصول لفكرة الخلود، وهي الفكرة الأهم في أغلب قصائد درويش.

“ودخلنا في سباق غير متكافئ مع الزمن الذي يقود مركبته الفضائية بأقصى سرعة. وصرنا نستمهله: أيها الزمن انتظرنا! فلنا موعد بعد شهر، فلا تسرع.. لا وقت كافيًا لنا لانتقاء الكلمات اللائقة بالمرأة الناضجة ولحجز مقعدين في الأوبرا، والتأكد من أنّ أحدًا لن يقتل نيابةً عنا، من فرط الشبه بين المارة على الليل، ولا وقت كافيًا لنا لمراجعة ضرورية لأسماء العاطفة في موسوعة المترادفات. ونقول للزمن أيضًا: لا تلتهمنا قبل أن نعبر النهر وننظر من الضفة الثانية إلى المقاعد الخشبية التي تركناها خلفنا، على الضفة الأولى، نظيفة لاستقبال عشاق آخرين سينظرون إلينا ونحن ننظر إليهم قائلين: كانوا مثلنا، فهل نصير مثلهم“. (حضرة الغياب 2006)

درويش يبحث عن الخلود، الخلود بالشعر، لا يهتم بالجسد، فالجسد فاني، والانتظار جزء من الزمن، وتجربة بسيطة وصغيرة لفكرة الخلود، وكما أن الزمن وحش الأبدية، سيكون الانتظار أمر مخيف، مزعج للتفكير ومرهق للخيال، لذلك سنجد لدرويش جملة توضح كم أن الانتظار شيء مخيف، «ما أجمل الصدفة.. إنها خالية من الانتظار».

يرى درويش أن الانتظار نقمة، بئر من الأفكار والأسئلة، وحدة وغربة عما يحدث حولك، يلتهمك رويدًا رويدًا، دائما يحاول درويش الهرب من الانتظار، الهروب للزهد وبالزهد، من فخ الزمن ومن النفس ذاتها، كما قال في قصيدة “لم ينتظر أحد” في ديوان “كزهر اللوز أو أبعد” 2005.

“في اللا انتظار أكون نهراً-قال-

لا أقسو على نفسي، ولا

أقسو على أحد،

وأنجو من سؤال فادح:

ماذا تريد“

من أشهر قصائد الانتظار عند درويش قصيدة “درس من كامسوطرا” في ديوان “سرير الغريبة” 1999، لدرجة أن القصيدة معروفة باسم “انتظرها”، تكرار لفظ انتظرها، تأكيد على صعوبة الفعل، يتحرك الانتظار مع الزمن، تلتهم الزمن كي لا يلتهمك الانتظار، أنت محاصر، فليكن انتظار بصبر الحصان المعد لمنحدرات الجبال، وفي نفس الوقت انتظار بذوق الأمير الرفيع البديع.

50118430_766761

عام 2000 كانت قصيدة الموت “الجدارية”، بعد تجربة المرض والغيبوبة، يكتب درويش عن الموت، ويطلب منه الانتظار، السباق مع الزمن، من ينتظر من؟، درويش يصارع خياله، يجعل الشعر في مواجهة الموت، ويعلم علم اليقين أن الشعر هو المنتصر في النهاية، كما قال أمل دنقل وهو على سرير المرض: “لماذا لا يريدني الطبيب أن أتعامل مع السرطان كشاعر؟”، الموت عاجز أمام الشعر.

“أَيها الموتُ اُنتظرني خارج الأرض،

انتظرني في بلادِكَ، ريثما أُنهي

حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي

قرب خيمتك، اُنتظِرْني ريثما أُنهي

قراءةَ طَرْفَةَ بِن العَبْد“.

من الموت إلى العشق مرة ثانية، وديوان “حالة حصار” 2002، الانتظار هنا يوقف الزمن، ربما كان ذلك انتصارًا لفكرة سباق الزمن، لكن درويش يؤكد أن الانتظار أصعب من ذلك، هو صراع مع الزمن والأفكار، مشاجرة مع الأزل،

“في انتظارِكِ، لا أستطيعُ انتظارَكِ.

لا أَستطيعُ قراءةَ دوستويفسكي

ولا الاستماعَ إلى أُمِّ كلثوم أَو ماريّا كالاس وغيرهما.

في انتظارك تمشي العقاربُ في ساعةِ اليد نحو اليسار…

إلى زَمَنٍ لا مكانَ لَهُ.

في انتظارك لم أنتظرك، انتظرتُ الأزَلْ“

الانتظار مشاجرة مع المجهول، السباحة في المعطيات، البحث عن الغيب، الانتظار مخيفًا كالموت، كما قال درويش في بداية قصيدة “في الانتظار” من ديوان “لا تعتذر عما فعلت” 2004، «في الانتظار، يُصيبُني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة»، في قصيدة في الانتظار، يرصد درويش تأثير الانتظار، الوقوع في فخ الاحتمالات، وينهي القصيدة باختلاق علاقة بين العشق والموت والانتظار، ثلاثية الحياة باختصار، يعترف درويش أن الموت لا يحب الانتظار، رغم كل الرجاء في الجدارية لكي ينتظر، ويمهله الوقت الكافي لإنهاء بعض المهام، كما قال في قصيدة “فكاهة الخلود” من ديوانه الأخير “أثر الفراشة”، « ويفكرون بما هو أصعب: برشوة الخلود»

“فإن الموت يعشق فجأة، مثلي،

وإن الموتَ، مثلي، لا يحبُّ الانتظار“

نشر في موقع التقرير عام 2015